المرأة والفنون التشكيلية: رحلة إبداع طويل… منالهامش إلى قلب المشهد الفني

المرأة والفنون التشكيلية: رحلة إبداع طويل… منالهامش إلى قلب المشهد الفني

كان المرأة حاضرة في عالم الفنون التشكيلية حضورًا ملتبسًا على مدى عدةقرون مضت؛ فهي تعتبر موجودة بقوة كموضوع للوحة، لكنها وبشكل ماكانت مُغيَّبة كفنانة تقف خلف الإبداع. وبالرغم من هذا التهميش التاريخي، إلا أن الأثر الذي تركته النساء في مسار الفن لا يمكن تجاهله أبدا وبقدر ماحاولت السرديات التقليدية من تقليص دورهن، فإن المراجعات الحديثةللتاريخ الفني أخذت تكشف حجم المساهمة النسائية الكبيرة، وتعيد الاعتبارإلى أسماء وأساليب وتجارب ظلّت لوقت طويل خارج الضوء.

كيف شقت المرأة طريقها في عالم الفن،  رحلة بين الماضي والحاضر، وكيفاستطاعت برغم القيود أن تخلق جمالها الخاص في رحلة بين الماضيوالحاضر استطاعت ان تفرض رؤيتها الجديدة في مواجهة بنى اجتماعيةواقتصادية وثقافية لم تكن مهيأة لتقبلها كفنان ندّ للرجل.

 

من الظل إلى الضوء: بدايات صعبة لفناناتواثقات بخيالهن

لم يكن الطريق ممهدًا أمام النساء لدخول عالم الفن. فمنذ العصور الوسطىحتى القرن التاسع عشر، لم يُسمح لهن بدراسة الرسم في الأكاديمياتالمرموقة، وكانت الكثير من أبواب التعليم الفني مغلقة أمامهن، بل إنحضورهن كان محدودًا إلى درجة دفعت مؤرخين إلى الاعتقاد الخاطئ بأنالنساء بطبيعتهن أقل قدرة على الإبداع الفني من الرجال. فقد كانت النساءالفنانات بالبداية  تتسللن إلى الفن من نافذة صغيرة جدا كرسامة في ورشةعائلية، أو زوجة فنان، أو تلميذة تتلقى تدريبًا سريًا، أو امرأة تعمل بصمتفي الظل، ولهذا، لم يكن غريبًا أن تُفرض عليهن موضوعات محددة، فكانتالطبيعة الصامتة، والمشاهد المنزلية، والزهور، وبورتريهات النساء والأطفالهي المساحة الشبه الوحيدة المتاحة لهن في ذلك الوقت. لكن وحتى ضمنهذه الحدود الضيقة، استطاعت نساء كثيرات أن يبتكرن أساليب خاصة، وأن يتركْن بصمة يتردد صداها حتى اليوم. يكفي أن نستحضر فنانات مثلالفرنسية اليزابيث لوي فيغ لوبرون والايطالية ارتيميسا جنتلسكي، اللواتيتحدّين بنية اجتماعية كاملة ليقولن بصوت عالٍ: بأن الفن ليس حكرًا علىأحد.

 

كسرت المرأة القواعد في القرن العشرين

مع بدايات القرن العشرين، تغيّر كل شيء تقريبًا. الحداثة التي قلبتقواعد الفن قلبت معها أدوار الفنانين والفنانات. ومع ظهور الحركات النسوية، وتوسع فرص التعليم، بات للمرأة مساحة أكبر لإعلان حضورها. ولم يكن هذاالحضور ضعيفا بل كان له دوي وصدى تخطى الحدود. فقد قدم جيلالفنانات اللواتي بزغن في تلك المرحلة أعمالًا صادمة وجريئة وجذابة في آنواحد.
فريدا كاهلو، مثلاً، لم تقدم لوحات مألوفة؛ بل قدّمت نفسها: جسدها، ألمها، هويتها، جراحها، وذاكرة وطنها. أصبحت تجربتها نموذجًا لتحويل الألم إلىجمال، والذات إلى فلسفة.

وفي الولايات المتحدة، صنعت جورجيا أوكيف عالمًا بصريًا من الطبيعةوالزهور والأشكال، بلغة لونية تجمع بين القوة والشفافية. أما لويز بورجوا فقدصنعت منحوتات تفيض رمزية، تستدعي الذاكرة والجسد والعائلة والخوفوالرغبة، كلّها في أعمال ضخمة ومقلقة ومبهرة. ومن هنا بدأت المرأة تتحررمن إطار اللوحة الضيق، وتتجه نحو تجارب تستفزّ اللغة البصرية، وتوسّعحدود الفن العالمي.

مشهد معاصر… نساء يعيدن رسم العالم

لقد كان الحديث بالامس عن الفن يخص ذكر اسماء مشهورة  لفنانين رجالفقط. اما اليوم، لا يمكن الحديث عن الفن المعاصر دون الوقوف على الدورالبارز للفنانات. فقد بات المشهد البصري العالمي أكثر اتساعًا وثراءً معأصوات نسائية قادمة من مختلف الثقافات. لم تعد الأعمال النسائية مرتبطةبالزهور والمشاهد المنزلية، بل صارت منصّة لطرح أسئلة سياسية واجتماعيةوإنسانية معقدة. وأصبحت الفنانات المعاصرات يعالجْن موضوعات مثلالجسد والهوية والغربة العلاقة بين تكنولوجيا العالم الحديث والذات الذاكرةالجماعية والنزاعات البيئة والمناخ وقضايا النوع الاجتماعي والعدالة وغيرهامن المواضيع التي قد تعبر عن قضايا مجتمعية يعاصرنها

لكن، ما يزال التمييز قائمًا برغم الحضور الإبداعي الطاغي لهن. تشيرالإحصاءات العالمية بوضوح إلى أن أعمال الفنانات تحصل على تقييم ماليأقل بكثير من أعمال الفنانين الرجال، وأن نسب تمثيلهن في المتاحفوالمعارض الكبرى لا تزال أقل من النسب التي يستحقها حجم إنتاجهنالفني.

حتى المزادات العالمية، التي تُعد مؤشرًا واضحًا لقيمة الأعمال الفنية، تظهرفجوة جندرية غير مبررة، حيث تباع أعمال الفنانات بأسعار أقل رغم جودتهاوتفرّدها. وهنا يظهر السؤال المهم في الفنون التشكيلية:
هل الفن يُقيَّم بالجودة أم بالاسم والجندر والتاريخ؟

 

الفن في زمن الرقمنة: فرصة أم فخ؟

لم تعد المرأة بحاجة إلى بوابة كي تدخل عالم الفن. فالثورة الرقمية منحتالفنانات وسيلة للتعبير والنشر، بعيدًا عن الحواجز التقليدية للمؤسساتالثقافية. حيث تعتبر الآن منصات التواصل الاجتماعي، والمعارضالافتراضية، والمجتمعات الرقمية الفنية  فضاءً جديدًا يسمح بظهور الفناناتالشابات من أنحاء العالم كافة.وتعريف الجمهور بلوحاتهن وتجاربهن دونالحاجة للشفر وحضور معارضهن

وفي عالمنا اليوم هناك فنانات من الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وأمريكااللاتينية، وجنوب آسيا، أصبحن جزءًا من الحوار الفني العالمي، يتقاسمنتجاربهن وذاكرتهن وتراثهن في فضاء واسع مفتوح ومتاح للجميع. 

ومع ذلك، يبقى هذا العالم الرقمي سلاحًا ذا حدين؛ فهو يمنح الفرصةبالتأكيد، لكنه أيضا يفرض إيقاعًا سريعًا ومنافسة قوية وضخمة، ويضعالفنانة أمام امتحان الظهور الدائم للحفاظ على جمهورها ومكانتها.

لا تعتبر قصة المرأة في الفنون التشكيلية قصة فنية فحسب؛ إنها حكايةمقاومة ومحاولة مستمرة لانتزاع الاعتراف من مؤسسات لم تُصمّم أساسًالاحتضانها. و تجارب عدة في رحلة متراكمة من الكفاح الصامت، والمجدالمؤجل، والسعي الدائم نحو مساحة تستحقها. ولو أعدنا النظر في تاريخالفن، لظهر جليًا لنا أنّ استبعاد الفنانات لم يكن بسبب ضعف في الموهبةاو قدرات ضعيفة، بل كان ضعف في الرؤية التي حكمت تاريخ الفن نفسه. وان الزمن وحده كفيل لأن يعيد توزيع الضوء بالعدل.

 

نحو مستقبل تتسع فيه اللوحة للجميع

لم يعد الفن يكتمل بدون صوت المرأة. ومع استمرار الجهود الهادفة إلىتوثيق أعمال الفنانات، وإعادة قراءة التاريخ، وإقامة معارض مخصصة لهن، يقترب العالم أكثر من إدراك حقيقة قديمة وجديدة بنفس الوقت:
ان الإبداع لا يعرف جنسًا، ولا علاقة له بنظام القوة، بل هو وعيينبع من القلب والخيال والقدرة على تحويل الحياة إلى شكلولون ومساحة مفتوحة للتأمل.

ومع اتساع المنصات وتحوّل الفن إلى لغة عالمية، ستبقى المرأة شريكًاأساسيًا في تشكيل الصورة البصرية للعصر، وتتج وتقدّم جمالها الخاص، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، وتؤكد دائمًا أن الفن مساحةحرّة… وأن اللوحة تتّسع للجميع

رابط المقال 

https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86

https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/fon202309_11zon.pdf 

 العدد 59 صفحة 36 

المراة والفنةن التشكيلية رحلة ابداع طويلة