الهوية العربية ..تحولات الثقافة والمواجهات الكامنة في تجاربها  

 

الهوية العربية ..تحولات الثقافة والمواجهات الكامنة في تجاربها

 

حليم بركات(*)

ترجمة: أسيل عزيزية

 

نُشرت المقالة التي تحمل جوانب من الهوية العربية في كتاب “العالم العربي: المجتمع، الثقافة والدولة”، لحليم بركات حول الهوية القومية العربية. (**)

وفي حقبة ما بعد “الربيع العربي” الذي مزقته الصراعات، فإن أفكاره التي توصل إليها، تتمتع ببصيرة ثاقبة بشكل خاص اليوم حول كيف يمكن التفاوض بشأن نقاط الهوية  المتعددة التي يثيرها، والتي تتصل بالأسرة والقبيلة والدولة والدين واللغة والتأثير الخارجي – في العلاقات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والسياسية بين الشعوب والدول.

فالهوية تشير إلى مشاركة العناصر الأساسية التي تحدد طبيعة الناس وتوجهاتهم وتؤكد احتياجاتهم ومصالحهم وأهدافهم المشتركة. 

هذه النظرة للهوية، وإن لم تكن خاطئة، فهي لا تشمل الجوانب غير المتجانسة أو التعددية، وقد يبدو تصور هوية عربية تجمع بين الوحدة والتعدد أمرًا متناقضًا بحد ذاته،ومع ذلك، فإنه ومن خلال دراسة جوانب الهوية المتشابهة والمتباينة يمكن للمرء أن يتصور بشكل صحيح الطبيعة الحقيقية للهوية العربية. 

فالهوية العربية تعتمد على ثقافة مشتركة وكذلك على اختلافاتها، كما تعتمد على مكان مشترك في التاريخ وتجربة مشتركة، وأيضًا على الصراعات والمواجهات الكامنة في هذه التجارب. وتشمل هذه الهويات المحددة الانتماءات اللغوية والدينية والإقليمية والقبلية والإثنية.

 

قلب وروح واحدة

تم اعتبار الهوية الوطنية العربية قائمة في المقام الأول على اللغة منذ نشأتها الاولى بالنسبة للعديد من العرب، حيث تتجاوز اللغة العرق أو الدين أو القبيلة أو المنطقة. لذلك، يمكن اعتبار اللغة العربية العامل الموحد بين جميع العرب تقريبًا. 

وبما أن اللغة العربية تتجاوز حدود الدول، فإنها تساعد على خلق شعور بالقومية العربية. وفقًا للباحث العراقي ساطع الحصري، “يجب أن يكون للأمة التي تتحدث لغة واحدة قلب واحد وروح واحدة، وبالتالي يجب أن تشكل أمة واحدة ومن ثم دولة واحدة”. 

ومع هذا، فهناك وجهان لعملة الهوية، فبينما يمكن أن تكون اللغة العربية الموحدة عاملًا جامعًا، إلا أن اللغة ليست موحدة على الإطلاق في كثير من الأحيان، فقد تختلف اللهجات من منطقة إلى أخرى، وهناك اختلافات كبيرة بين النسختين المكتوبة والمحكية، والعديد من الدول تستضيف مواطنين ثنائيي اللغة، وهناك كثير من العرب أميون، فلا بد أن يقودنا  هذا إلى فحص الجوانب الأخرى المحددة للهوية العربية.

 

الهوية العربية والإسلامية

غالبا ما ينظر الى الهوية العربية والهوية الاسلامية على أنهما معًا، ولا تنفصلان نظرًا لأن غالبية العرب مسلمون،ولقد كان هناك تياران متباينان داخل العروبة – أحدهما ديني والآخر علماني – عبر التاريخ العربي.  ولكن وبعد انهيار الخلافة الإسلامية العثمانية في القرن العشرين، برزت القومية العربية على حساب الوحدة الدينية. واستمر هذان التياران في التنافس ضد بعضهما بعضًا حتى يومنا هذا. واليوم يقدم الأصولية الدينية بديلاً للقومية العلمانية. 

كما توجد أيضًا طوائف دينية مختلفة داخل الإسلام وغالبًا ما يتم تقديسها فوق الدين ككل، مما يؤدي إلى النزاع والصراع الطائفي، لكن في الواقع، قد تكون المسافات الاجتماعية والنفسية بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة أكبر من المسافة التي يُنظر إليها بين الأديان المختلفة، وبسبب هذا، يمكن اعتبار الإسلام قوة موحدة ومفرقة في الوقت نفسه في الهوية العربية.

 

المحلية والإقليمية

من خلال عدسة الهوية المحلية أو الإقليمية ومنظورها فيمكن إدراك الهوية العربية، فقد كانت هناك ثلاث توجهات قومية كبرى في العالم العربي عبر التاريخ . وهي: القومية العربية الجامعة التي ترفض الدول ذات السيادة القائمة باعتبارها إبداعات مصطنعة وتدعو إلى الوحدة العربية الكاملة. 

ويعترف التوجه القومي الإقليمي على اختلافات واضحة في الهوية بين دول المغرب العربي (دول شمال إفريقيا العربية) وبلاد الشام (الدول العربية في شرق البحر المتوسط العربية) ودول الخليج. 

ويتصرف كل منهم وفقًا لمصالحه الإقليمية الخاصة ويرى نفسه باعتباره أقرب إلى جيرانه المباشرين منه إلى العرب في المناطق الأخرى. 

ويصر التوجه القومي المحلي، على الحفاظ على استقلال وسيادة الدول القائمة، ولكن ما يزال التوفيق بين هذه الأشكال المختلفة من القومية العربية يقف عقبة أمام ترسيخ مفهوم موثوق للهوية العربية.

 

ولا يستبعد في هذا السياق، الصراعات بين القبلية والقومية، حيث تشكل الأسرة الوحدة الأساسية للتنظيم الاجتماعي في المجتمع العربي التقليدي، ولا تزال تتمتع بنفوذ قوي على تشكيل الهوية، وفي بعض الدول يتم التأكيد على الولاءات القبلية في دول الخليج والسودان والمغرب العربي.

وفي السعودية تم تجميع فسيفساء من القبائل في دولة قومية، وعلى الرغم من أن الحكومة الحاكمة منقسمة إلى بيروقراطية الدولة والعائلة المالكة، فإن غالبية ولاء المواطنين يقع على عاتق الأخيرة وليس الأولى. وفي حين تشكل النزعة القبلية قوة موحدة في المملكة العربية السعودية، فإن الولاءات السياسية في اليمن عززت الانقسامات الطائفية والقبلية، سواء أكان الأمر يتعلق بتعزيز السلطة في أيدي عائلة أو قبيلة، أو تفتيت الأحزاب السياسية داخل بلد ما، فإن الولاءات القبلية تلعب أدواراً مهمة في جميع أنحاء العالم العربي.

 

العرق والهوية

يمكن القول: إن العرق هو عامل حاسم آخر في الهوية العربية. ويمكن تعريفه من الناحية الثقافية واللغوية وكذلك من حيث النسب من أسلاف مشتركين بعيدين.

ويوجد في العالم العربي الأكراد والبربر والشركس والآشوريون والكلدانيون واليهود والأرمن والمجتمعات الأفريقية في جنوب السودان.

ويرتبط البربر في المغرب ببعضهم البعض من خلال لغة مشتركة ولهجات مختلفة، وكذلك من خلال مزاعم الأصول البدوية والقبلية، وفي المغرب يشكلون 40% من السكان. 

وقد حاول الاستعمار الأوروبي ان يعمق الخلافات بين البربر والعرب لإبقاء الانقسام، مما سهل عملية إقامة الحكم الاستعماري الأكثر استبدادية، ويعرّف الأكراد أنفسهم أيضًا من الناحية اللغوية والثقافية، وعلى أساس تميزهم العرقي، فإنهم في كثير من الأحيان يقاتلون من أجل الحكم الذاتي لكردستان المستقلة التي يرسمونها بأنها تشمل أجزاء من تركيا والعراق وإيران، وبهذه الطريقة، فقد هددت الاختلافات العرقية المفروضة والمتصورة البناء الشامل للهوية العربية.

وعد بلفور وسايكس بيكو

إن الهوية العربية لا توجد في فراغ، بل تخضع لقوى خارجية مثل الصراعات الخارجية الأجنبية والنفوذ الغربي والظروف الاقتصادية، وان الفوارق بين العرب الأغنياء والفقراء تساهم في التفتت الاجتماعي والسياسي، ويتجلى مثل ذلك التفتت بين شعب الدولة العربية نفسها او بين شعوب الدول العربية الغنية والفقيرة؛ أي الدول المنتجة وغير المنتجة للنفط. ويمكن أن تؤدي الصراعات الخارجية أيضًا إلى مزيد من التفتيت بين الدول العربية. 

إن إنشاء دول مصطنعة في العالم العربي، نتيجة لوعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو، يجعل من الصعب على الدول العربية ان تتحد في مواجهة الصراع الخارجي.

إن تكاثر الفصائل المختلفة داخل بلد ما، مثل الانقسامات السنية والشيعية، غالبا ما تدعم أطرافًا مختلفة في صراع مجاور أو دولي، مما يجعل التوصل إلى تسوية أمرًا في غاية الصعوبة. 

ويمكن القول إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يشكلأيضاً قوة توحيدية ومفرقة في الوقت نفسه. ويؤيد جميع العرب تقريباً، إن لم يكن جميعهم، حق الفلسطينيين في دولتهم الخاصة، ومع ذلك، فإن الفصائل المختلفة داخل العالم العربي تفضل المفاوضات وحل الدولتين، أو الكفاح المسلح والهجمات ضد الإسرائيليين، ويتداخل هذا الانقسام أيضًا مع الأنظمة باختلاف أنماط حكمها، والحركات الشعبوية والقوى الرجعية والتقدمية والمعسكرات المعتدلة والرفضية.

 

خلاصة القول: 

نادرًا ما تتميز الثقافة بالتوحيد الكامل، بل على العكس من ذلك، فإن ديناميكيتها تعكس التنوع والتعددية والتناقضات. 

ولم تكن هناك حاجة لتأكيد هذه الحقيقة لولا تحريف الواقع من قبل المستشرقين الغربيين والعلماء العرب التقليديين، ويميل المستشرقون الغربيون إلى التأكيد على الطبيعة “الثابتة” للثقافة العربية وليس “المتغيرة”،وبالمثل، يميل العلماء العرب التقليديون إلى التأكيد على القيم التقليدية بدلاً من التركيز على الثقافة العربية المعاصرة المتطورة.

إن تميز الهوية الثقافية العربية يجب أن يأخذ في الاعتبار واقعًا إنسانيًا معقدًا للغاية يشمل اللغة والدين والانتماء الإقليمي والولاءات القبلية والعرق والقوى الخارجية. وكل هذه العوامل تتغير وتتطور باستمرار، مما يوحد العرب ويقسمهم عند مفترق طرق مختلف. 

وإن دراسة كافة الفروق الدقيقة في الثقافة والمجتمع العربي هي وحدها التي تسمح لنا بتكوين صورة للهوية العربية في العالم الحديث.

 

 

(*) حليم بركات، روائي وعالم اجتماع عربي، قام بالتدريس في مجموعة متنوعة من المؤسسات بما في ذلك جامعة تكساس في أوستن، وجامعة جورج تاون، وجامعة هارفارد. وهو من أصل أرثوذكسي يوناني، ولد في سوريا، ونشأ في بيروت حيث تلقى تعليمه. 

تركّز مؤلفاته على الصعوبات والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية الحديثة، مثل: الاغتراب، وأزمات المجتمع المدني، والحاجة إلى الهوية والحرية والعدالة.وأعماله غنية بالرمزية وتأثيرات الأحداث المعاصرة.

 

 

 

 

 

 

(**) الموقع  الإلكتروني:

https://teachmideast.org/facets-of-arab-identity-halim-barakat/

 

TeachMideast is an educational outreach initiative developed by the Middle East Policy Council. TeachMideast is a resource designed to give high educators the foundation they need to teach about critical, complex and intriguing subjects.

The Middle East Policy Council is a Washington, D.C. based, 501(c)(3) nonprofit organization founded in 1981 whose mission is to contribute to American understanding of the political, economic and cultural issues that affect U.S. interests in the Middle East.

TeachMideast

هي مبادرة توعية تعليمية طورها مجلس سياسات الشرق الأوسط وهو مورد مصمم لمنح المعلمين الأساس الذي يحتاجونه للتدريس حول مواضيع بالغة الأهمية ومعقدة ومثيرة للاهتمام، ومجلس سياسة الشرق الأوسط هو منظمة غير ربحية مقرها واشنطن العاصمة  تأسست عام 1981 وتتمثل مهمتها في المساهمة في الفهم الأمريكي للقضايا السياسية والاقتصادية والثقافية في الشرق الأوسط.