ما الفن

 

 

جريدة الرأي الاردنية 

18/9/2022 



ثمة أسئلة كثيرة يواجهها الإنسان حول عدد من الظواهر، ورغم معايشته لها بشكل يومي إلا أن السؤال حولها يقع عليه كحجر طائش. ومن هذه الأسئلة: ما الفن؟

يشبه هذا السؤال حجرا طائشا بالفعل، يربك الإنسان، لكنه ينبهه إلى شيء مهم، نسي الفنان أن يجيب عليه في زحمة العمل الذي أصبح جزءا منه.

ليس من المهم أن ينشغل الإنسان في تعريفات لا تخرج عن توصيف عناصر الفن دون ملامسة حقيقته، وتكون مجرد فذلكة كلامية مضللة تنبئ عن مقدرة اللغة أكثر مما تقول أبجدية الفن.

لنتفق أن للفن أبجدية تختلف عن أبجدية اللغة، وتفارقها إلى فضاءات لا تنتمي للحرف الذي يعرّفه اللغويون بأنه «صرف الشيء عن معناه»، فـ: «حرَفَ الشّيء وحرّفه: أمالهُ، والكلامَ غيّره وصرّفه عن معانيه».

ونحن هنا حينما نتحدث عن الفن، فإننا نتحدث عن أبجدية مختلفة ولغة أخرى لا تتصل بالمشاهدة، فحسب، وإنما باللامشاهدة. فالفن عند بكاسيو هو رسم ما لا يرى، وهو تجسيد يحدث من الروح، وليس من الشكل أو العالم المادي، وما تريد إظهاره سيحدث.

وهنا نتذكر قصيدة محمود درويش:

“أُرى ما أريدُ مِنَ الحقل… إنَّي أَرى

جدائلَ قَمْحٍ تُمَشِّطُهَا الريح،

أُغمضُ عينيِّ:

هذا السرابُ يُؤدِّي إلى النَهَوَنْدْ

وهذا السكونُ يُؤَدِّي إلى اللازَوَردْ».

أنا خائف من الناس الذين يتحدثون عن الأشياء الجميلة، يقول بكاسيو: ما هو جميل شيءٌ يهرب من التعريفات.

فما هو الفن إذن؟

أعود إلى بكاسيو مرة أخرى، فهو يقول: «لترسم، عليك أن تغمض عينيك. وأن تغمض عينيك، يعني أن تتخيل وتغادر منطقة الواقع إلى الحلم، فالفن هو مسألة فعل الشيء من داخل الروح، أيّ شيء كان، وهو تجسيد للمشاعر بالخط، أو الكتلة، أو النقطة، أو المادة، فالفن ليس شيئا إضافيا، بل هو حقيقة المشاعر والاحاسيس ليس إلا».

يُخلَق الإنسان ولديه ميزة ما، وعليه البحث عن تلك الميزة، وإن عثر عليها سيصبح مبدعا، اللغز العظيم يوجد في كل شخص؛ كل شخص في العالم لديه دليل يقدمه على فرديته، بشرط أن يكون قد اكتسب القوة الكاملة لتوضيح هذا الدليل.

وهنا تكمن عبقرية الفنان في خلق روح فنية من نفسه، روح جديدة ليس معتادا عليها من قبل، روح متفردة لم يتداولها الآخرون ولم تدمرها القوانين السائدة. والفنان حينما يرسم فهو يصنع لا أسلوبه فقط، بل قوانينه أيضا، فالعمل الفني يحمل روح الفنان.

ربما نكون مهيأين للإجابة على سؤال آخر حول أهمية الأعمال الفنية.

الجواب ببساطة (لحظة واحدة/ لحظة العمل) التي تختصر تجارب الفنان وخبراته في لحظة شعورية وعفوية تجعل يده تقف أمام عدد من البوابات ومن شدة إدراكها وخبراتها تعلم تماما أي بوابة تختار.

كل ضربة للفرشاة، وكل خط يحمل لحظة وجودية، وكل فعل فني يشكل حجر الأساس، لحظة ما قبل البدء بالعمل، هناك يمكن رؤيتها وقراءتها، في عتمة الإغماض، عندها تكون الدهشة.

كل فعل فني إبداعي حقيقي وأصيل، هو بمثابة اقتناص للحظةٍ وجودية لا يمكن تكراراها.

اسيل عزيزية

(فنانة تشكيلية)

رابط المقال في جريدة الراي الاردنية

 https://alrai.com/article/10745515/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86?fbclid=IwZnRzaAPEiOpleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEecAH3tdBSD05hrIgbEAmN1cOlcYfywjnUi7bfsw62j4iwb86qZMKzCdQ9yNM_aem_JTG-vnRIRjtETaLP141eWQ