حراس الفنون الصخرية القديمة والنقوش في وادي رم والصحراء
ترجمة : اسيل عزيزية فنانة تشكيلية أردنية مقيمة في تركيا
الصحفي تايلور لاك
وادي رم، الاردن
يحمل محمد دوميان هاتفه المحمول ويوجهه نحو صخرة كبيرة، محدقًا في النقش والخطوط العريضة المنحوتة لصياد، ونعام، وأسد، ونص غير مفهوم محفور منذ آلاف السنين.
يقول محمد وهو يقرأ شاشة هاتفه: “قامات بن خلف”، ويضيف “ليس عليها اي تغيير.” ومن ثم ينقر على هاتفه، ويتم الإرسال.
ترى لماذا كتبنا هذا؟
ان النصوص غير المألوفة والفنون البدائية لا تلقى صدى كبيرا لدى بعض الأردنيين، الذين ينظرون إليها على أنها إرث من القوى الأجنبية. لكن تلك الخطوط والنقوش اليوم قد وجدت عشاقا وجمهورًا جدد لها.
يحتضن الحجر الرملي في الوادي الشاسع في جنوب الاردن، بحرًا من الفنون الصخرية، كقوافل من الإبل المنحوتة، والصيادين، والقصائد، وغيرها من الكتابات الهيروغليفية ذات الطابع الأجنبي والعربية القديمة المتناثرة عبر المنحدرات والصخور وجدران الكهوف، ومتى رأيتموها اول مرة فإنكم ترونها في كل مكان، او يمكنكم أيضًا التغاضي عن هذا الفن الطبيعي المحفور ، كما فعل العديد من البدو المحليين لسنوات عديدة مضت ، معتبرين نصوصه ورسوماته البدائية غير القابلة للفهم على أنها “لا معنى لها”. وان الأسوأ من ذلك كله ، هو تشويه تلك النقوش القديمة بكتابات مثل “كنت هنا”.
حراس النقوش
اما الان فان تلك الأيام قد ولت، واليوم يعمد البدو إلى تحذير أي شخص يحاول الكتابة على تلك الصخور الوردية او العبث بها، كما يقومون بتنبيه مديري المواقع المعرضة لخطر الضرر بذلك.
يتسلح هؤلاء البدو بهواتف ذكية وقد أطلقوا من قبل دائرة السياحة والاثار الاردنية، ولقد أصبحوا حماة للارث من الفنون القديمة.
يقول الشيخ محمد الحويطي: “ممنوع ان تلمسوا أو تكتبوا على هذه النقوش”. ويضيف “ان هذا من شأنه ان يهين أسلافنا ويدمر ميراثنا”.
تتنوع منحوتات وادي رم، كتاريخ مفترق الطرق الرملية الوعر بين شبه الجزيرة العربية والبحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا.
وهناك الكثير من الأعمال الفنية والنقوش مكتوبة باللغة الثمودية أو الصفائية، وهي نصوص للقبائل البدوية التي عاشت في شمال شبه الجزيرة العربية منذ أكثر من 3000 سنة.
ثم جاء الأنباط ، الذين بنوا إمبراطوريتهم في القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت عاصمتهم البتراء، ونقشوا الصور والنصوص بلغتهم الخاصة المستمدة من اللغة الثمودية.
تحتوي جدران الجرف أيضًا على رسائل وآيات قرآنية بالخط الكوفي – وهو نص عربي قديم. كما انه هناك النقوش الصخرية البدائية ، والرجال ، والنساء ، والحيوانات ، والرموز غير القابلة لفك الشفرة التي سبقت كل تلك الحضارات بآلاف السنين.
تمثل هذه المعالم والتي تبلغ 12 الف عام من الحياة البشرية الصحراوية المستمرة تطورًا للفكر البشري والمراحل الأولى لتطوير الأبجدية.
تراث عالمي
أدرجت اليونسكو وادي رم كموقع للتراث الطبيعي العالمي عام 2011. و حددت مساحة 278 ميلًا مربعًا كموقع طبيعي وثقافي ذي “قيمة عالمية استثنائية”، واشارت الى إن النقوش كانت “واحدة من أغنى مصادر توثيق العالم” للحضارات على مدى آلاف السنين. ولحماية وادي رم، اعتمد علماء الآثار مؤشر استقرار الفن الصخري لإنشاء تطبيق جاهز للتوثيق باللغة العربية وقاعدة بيانات للفنون الصخرية والنقوش في وادي رم.
وعمل سكان المنطقة كحراس الفنون الصخرية وعلى مدى العامين الماضيين، وظفوا هواتفهم الذكية لتوثيق وتصوير وقياس أكثر من 12500 قطعة من الفنون الصخرية والنقوش ، بدعم من SCHEP (Sustainable Cultural Heritage Through Engagement of Local Communities Project) ، (مشروع التراث الثقافي المستدام من خلال إشراك المجتمعات المحلية) ، وبتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومنظمة التراث الثقافي الأردني.
وتم تعليم البدو في وادي رم ومن يرغب منهم ان ينضم لحراسة تلك الفنون الصخرية والنقوش، قراءة وكتابة الرموز والنصوص المختلفة، كما تمت مشاركة دليل الترجمة مع المدارس المحلية.
وشارك علماء من الجامعة الاردنية وهم على دراية جيدة بالنقوش النبطية والثمودية بتعليم العاملين في الموقع والحراس المهارات اللازمة التي تمكنهم الآن قراءة وكتابة الرموز واللغات المختلفة. ويقوم الحراس بتعيين موقع GPS باستخدام التطبيق، وتتبع الحالة الحالية لكل علامة، ويقيدون التهديدات القصيرة وطويلة الأجل التي قد يشكلها البشر أو البيئة أو تنمية السياحة، على تلك الفنون والعلامات. و يقول الخبراء إن الوادي يحتوي على ما يقارب 45 الف نقش قديم.
قام السيد دوميان مدير الموقع وقائد حراس الفنون الصخرية، بتعليم 25 مرشدًا سياحياً بدويًا من وادي رم والقرى المحيطة، كيفية قراءة وتفسير الفنون الصخرية. كما حاول هو وآخرون إقناع المجتمع بأن هذه الأعمال الفنية هي تراثهم الثقافي وليست فرضًا أجنبيًا دخيل على ثقافتهم.
رموز قبلية
وكما يقول نزار العداربة ، رئيس الحزب في SCHEP وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة، التي تروج نهج مجتمعي مشابها: “يشعر الناس هنا بأن كل هذه الحضارات في الأردن كانت عبارة عن سلسلة من الإمبراطوريات الأجنبية التي جاءت وذهبت وليس لها اي علاقة بهم” ، لكن أسلافنا هم من بنوا هذه الآثار والمدن ، وقد تركوا وراءهم هذه الفنون والشعر. نعم قد تتغير أسماء الإمبراطوريات، لكنهم سلسة متصلة تربط بعضهم البعض “.
تُوضح معظم الأعمال الفنية الصخرية أفراد القبائل القدامى وطريقتهم في الصيد، وتظهر كم هي مشابهة جدًا لطريقة الصيد الحالية – اما مع الكلاب ، او على الجمال، او باستخدام الفخاخ – او باستخدام بعض الفرائس مثل الأرانب.
كما تشمل النقوش الأخرى بعض التعبيرات للآلهة الدينية مثل الإله النبطي اللات وحتى الآيات القرآنية. وهذا تماما كما يحدث هذه الايام حيث (يكتب السكان المحليون هنا ، كما هو الحال في المجتمعات الريفية الأخرى في الأردن، رسائل مماثلة باللغة العربية على الصخور وجدران الشوارع وعلامات الطرق السريعة.)معبرين عن بعض مشاعرهم او رفضهم او ما يدور حولهم.
ان بعض الأشكال والخطوط الهندسية هي رموز قبلية، وعلامات تشير إلى الممتلكات للزوار الخارجيين؛ وقد فعلت القبائل نفس الشيء في الخمسينيات من القرن الماضي.
حالة الحب
دوّن بدو وادي رم القدماء أيضًا موضوع لا يزال قريبًا من قلوب الشباب والشابات: انه الحب. يقول دوميان: “معظم هذه النقوش عبارة عن أسماء أشخاص أو تصريحات عن الحب ، تمامًا كما يضع الشباب اليوم قلباً واسمهم بجانب اسم حبيبتهم”. “وهذا يُوضح أنه وبعد كل هذه الآلاف من السنين ومع كل هذه التكنولوجيا، لم تتغير الأشياء ابدا على الإطلاق.”
اكتشف المرشدون البدو والسكان المحليون أيضًا أن العديد من أسلافهم البدو كانت اسمائهم صالح، وعمر، وعلي، وسعد، وعودة، وهي أسماء لا تزال شائعة حتى الان وبعد الفين عام.
ويقول جازي المناجعة: “لقد عاش افراد العصر الثمودي أو الأنباط حياة مماثلة لحياتنا اليوم، وقد تركوا وراءهم دليلاً لأسلوب حياتنا المشترك”.
عمل جازي المناجعة في السياحة لمدة عام واحد فقط، لكنه بالفعل يدرك جيدا أهمية النقوش، والفنون الصخرية، ويضيف “ان لدينا الكثير من التاريخ لنشاركه مع العالم، وليس فقط الصحراء”.
لقد كان هذا التراث وتخديدا هدا النوع من الفن القديم بمثابة نقطة جذب للسياح الذين يبلغ عددهم حوللي 4000 شخص يوميا.
رابط المقال
https://culture.gov.jo/AR/List/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86
https://culture.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/funon48.pdf
العدد 48 صفحة 64